‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 مارس 2019

بعد_منتصف_الليل .... غفران بقلم المبدعة رشا فوزي


    أستيقظت على برودة جامحة تخترق جسدي حتى النخاع لأجد نفسي ممددا على طاولة معدنية في وسط غرفة واسعة خلت من الأثاث  إلا  من هذه الطاولة، الغرفة ذات جدران بيضاء متسخة ويتدلى من سقفها خطاتيف  مما يعلق عليها اللحوم في المجازر والثلاجات .
كانت الغرفة تكتنفها برودة لا أعرف مصدرها؛ سرت بسببها القشعريرة في جسدي .
حاولت النهوض، لكنني لم استطع  على الرغم من عدم وجود ما يقيدني بالطاولة؛
لقد كنت ملتصقا بها،  نعم ملتصقا  بكل معنى الكلمة !
حاولت ان أفتح فمي لأصرخ مناديا؛ عسى ان يهب أحدهم لمساعدتي إلا انني لم  استطع هذا أيضا؛  فقد كانت شفتاي هي الأخرى ملتصقة ببعضهما تمام الألتصاق!
أجتاحني هلع، جعلني اهز جسدي بجنون، عله ينفصل عن الطاولة،
 مصحوبا بصوتي المكتوم دون جدوى حتى خارت قواي.
 في هذه اللحظة، ترامت  إلى مسامعي وقع خطوات تسير على مهل، حتى أصبحت على مقربة مني .
من صوت الخطوات أدركت انها لسيدة تنتعل حذاء بكعب عالي،
و عندما أصبحت في مرمى بصري أخذت ارقبها بتوتر بالغ،
كانت تقترب مني في هدوء يكاد يكون برود   غير عابئة بنتظراتي المرتعبة  المصوبة  إليها،  مرتدية زيا جلديا اسود لامع يضم جسدها بحزم  فاضحا  تناسقه، 
بينما شعرها معقوص بصرامة للخلف على هيئة ذيل حصان.
صورة كلاسيكية لأمرأة سادية خارجة للتو من فيلم رعب ألعب انا فيه دور الضحية! .
وقد كان توتري يزداد مع كل خطوة تخطوها؛  فتقرّيها  مني و انا بهذه الحال لا حول لي ولا قوة،
الا ان عيناي أتسعت من الدهشة   عندما اتضحت ملامحها وأدركت أنها.. زوجتي!
أستقبلت  دهشتي بابتسامة سخرية، ثم نظرت إلى جسدي المسجى أمامها على الطاولة بإمعان، لترفع يدها فيلمع شيئا  معدنيا صغيرا تحمله بين أصابعها  لا يزيد طوله عن طول أصبع السبابة لديها؛ إلا  أن  لمعانه ينبأ عن مدى حدته .
حملقت فيه لبرهة حتى أدركت أنه مشرط فهوى قلبي عند قدمي و جحظت عيناي رعبا وانا أراها  تنتقي بأى منطقة تبدأ؛ فندت عني صرخات  مكتومة جعلتها تنظر صوبي مباشرة، فتلتقي  أعيننا في نظرة صامتة أتاحت لي رؤية كم هائل من الجفاء والقسوة قد سكنت عيناها و أستقرت  بهما، وهو  ما لم أعهده فيها ابدا طيلة حياتي معها،
ووجدتني أسأل نفسي: _"من أين أتت بهما ؟"
ليقطع صمت اللحظة صوت ضحكة هستيرية حادة صادرة عنها، أعقبتها  بحديث قائلة:
_أ و حقا تسأل من أين جاءت قسوتي؟.
أزدرت ريقي و معها دهشتي، من أين علمت بحديث دائر بيني و بين نفسي؟! 
_ لا يهم كيف علمت! 
اجابت  بحدة، ثم أكملت بنفس الحدة:
-المهم أجابة سؤالك، و سأجيبك. 
أخذت تدور حول الطاولة بعصبية، فيما شرعت تقول:
- مبدئيا من صلفك و غرورك، فأنت  دائما على صواب و انا دائما  على خطأ، رأيك قانون و رأيي شئ تافه لا يعتد به.
انهت جملتها و قد هوت بمشرطها على ذراعي  الأيمن؛ محدثة به قطع غائر تدفق منه الدم بغزارة و تلوت معه أحشاءي من شدة الألم.
ثم تابعت غير مكترثة لتأوهاتي المكتومة :
-أستهانتك بذكائي  و قدراتي، و انتقادك الدائم  لكل أفعالي؛ لتحقق تفوقا وهميا لا يوجد سوى بخيالك  المريض؛ فيرضي غرورك و يخفف عنك وطأة شعورك بالنقص.
و مع الكلمة الأخيرة هوت مرة أخرى بمشرطها ،هذه المرة على فخذي الأيسر؛ محدثة قطعا أخر  لا يقل ألما عن سابقه.
و توقفت برهة تتأمل  جسدي المرتعش من  الألم مصحوبا بأنيني المكتوم بتلذذ لم تحاول إخفاءه،
ثم تابعت :
_ و ماذا عن كل تلك التفاصيل الصغيرة  التي قد تسعد و قد تتعس أيضا؛  عيد ميلادي ، عيد زواجنا  ، أتصالك عند تأخرك في عملك  حتى لا ينتابني القلق،
سؤالك لى عن أحوالي و كيف قضيت يومي أثناء غيابك، أبتسامتك في وجهي  عند أقبالك و توديعك لي عند أدبارك ،
كلها أشياء تجاهلتها متعمدا حتى  ..حتى تلك الأشياء التي أحبها او أكرهها من توافه الأمور،  حتى تلك تجاهلتها عن عمد .
و خلال حديثها السابق كانت قد غيرت من استراتيجيتها؛  فهي لم تنتظر حتى تنهي حديثها لتسقيني من مشرطها شراب الألم اللاذع الموجع، بل كانت مع كل تفصيلة تذيقني أياه بمنتهى العنف و القسوة حتى شعرت بأن قلبي سيتوقف من شدة الالم .
و يبدو أنها أدركت ذلك و لسبب ما خشيت حدوثه، حيث اقتربت مسرعة من صدري تتسمع نبضاته ثم نظرت إلي بمرارة قائلة :
- و قلبك هذا و وعده لي بالحب و السعادة بعد الزواج،  لِما حنث به؟
أغمضت عيني و انا أستقبل مشرطها يغمد في صدري بلا رحمة ،
لتشخص عيني تجاه سقف الغرفةبينما كان جسدي ينتفض كدجاجة 
مذبوحة.
و هنا هدأت  نبرة صوتها و هي تقول: 
 -لا تمت؛ لم ننتهي بعد!
كان صوتها كأنما يأتي من مكان بعيد، أو ربما كنت انا من يذهب إلى مكان بعيد.
 شعرت بأنفاسها الحارة تغمر وجهي البارد و هي تقترب لتنظر في عيناي الشاخصة نحو السقف، لتكن صورة وجهها أخر ما تراه عيني، و هي تمضي في حديث هادئ :
_ فمازال هناك عقلك الذي صور لك أحقيتك في أمتلاكي  وأستغلالي وأستعبادي بعقد زواج !.
 و كانت طعنة مشرطها الأخيرة بين عيناي لينتفض جسدي  بعدهانفضته الأخيرة أيضا،
 بينما تحلق روحي إلى عنان السماء مثقلة بتساؤل يبدو أنه سيؤرقها إلى أبد  الأبدين:
_ و هل ستمنحني يوما حق الغفران؟!
 أستيقظت  فزعا من نومي بجسد يتصبب عرقا و أنفاس متلاحقة و لعابا جافا  جعلني أتجرع كأس ماء كان بجواري جرعة واحدة،  ثم أسرعت إلى  المرآة  انظر إلى جسدي غير مصدق إن مامررت به ما هو إلا كابوس  مفزع، 
و تلفت حولي ناظرا لأشيائي التي أءلفُها مؤكدا لنفسي أنه فعلا  مجرد كابوس شملني انا و زوجتي.
لكن أين هي زوجتي؟! و هرعت اجوب المنزل باحثا عنها لأجدها في المطبخ تستعد لتقطيع اللحم بسن السكين، و قد استقبلتني  بأبتسامة و دودة و هي تقول:
   _ استيقظت اخيرا .
أومأت برأسي إيجابا،  و قد تعلقت مقلتاي  بنصل السكين في ذهابها و إيابها على المسن ، سرت في جسدي رعشة لم تكن بغريبة جعلتني انقض على يديها  ضاما أياهما بقوة بين راحتي ساحبا السكين برشاقة من بين أصابعها  بينما أقول بصوت مضطرب :
- حبيبتي ما رأيك بعشاء في الخارج. 
أجابتني بستنكار
- و ما المناسبة؟!
أجابتها : 
- بمناسبة حبي الذي يزيد لكِ يوما بعد يوم .
فغرت فاها و هي تسمع كلماته،  و تراه يرفع يدها لشفتيه فيلثم اناملها بعذوبة و تودد، ثم يستطرد في حديث طويل عن رغبته  في إصطحابها في اجازة طويلة إلى  ذلك المكان الذى طالما أرادت الذهاب إليه و أنهما  يجب عليهما  تغيير روتين حياتهما  من وقت لأخر و أنه يتمنى أن تغفر له انشغاله عنها و أنه سيعوضها عن ذلك كله و ...
و هي  غارقة في هواجسها تسأل نفسها و الريبة تكاد تقتلها :
- و أي ذنب أقترفت في حقي هذه المرة؟ 
لتتنبه على صوته يناديها، فتنظر له بأعين مترددة بينه و بين السكين الموضوع على طاولة المطبخ الخشبية !
تمت
 رشا فوزي

الجمعة، 8 مارس 2019

(( من مالِ اللّٰهِ يا محسنين))....بقلم الاستاذ سليمان سليمان


كنتُ جالساً تحت شجرة سنديانٍ 
في جَوٍّ صيفي حار 
أطلقت العنان لأفكاري التي لا ترحمني وما رحمتني يوماً
قلت في نفسي: سأصير لصاً
قَرَّرْتُ أن أسرقَ منزلاً لِمَرَّةٍ واحدةٍ فقط وهو قرار غريب عجيب ولغايةٍ في نفسي. 
وأنا جالسٌ ولفافة التبغ بيدي وإبريق المتة الأسود فوق الحطب المشتعل 
خلال لحظات ذهبت مئات الكيلومترات إلى منزلٍ وراقبت أهله حتى خرجوامنه. 
دخلت البيت 
سرقت المجوهرات والمال في وضح النهار
لم أَحسب ما سرقت 
وضعتهم في كيس 
خرجت  
جلست على قارعة الطريق قبالة المنزل 
انتظرت ساعات طويلة 
عادت الأسرة إلى البيت
انتظرت لحظاتٍ وذهبت إليهم قبل أن يخبروا الجهات المعنية. 
وقفت أمام الباب
ضغطت مفتاح الجرس بيدي
فُتِحَ الباب
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
ماذا تريد يا أخي؟ 
هذا ما قالته لي صاحبة البيت. 
رحتُ أراقب الأسرة
الحزن يَلُفُّ المكان والأسى بادٍ على الوجوه والدموع على خدود الأطفال الذين عادوا من المدرسة فرحين بالعشرة التي حصلوا عليها في المذاكرة ولكن اللص الذي هو أنا لم يكتفِ بسرقة المال بل سرق الفرحة من الأطفال. 
- من مال الله يا محسنين. 
- ( صاحب البيت)  
يا عم لقد سرق لص بيتنا وهذه مشيئة الله ولم يبق لدينا لا مال ولا مصاغ. 
وعلى الفور وقفت طفلة ومسحت دموعها وابتسمت وأخرجت من حقيبتها قطعة نقدية وقالت لي :
- هذه ما تبقى من خرجيتي في المدرسة 
تفضل
ادعي لنا الله أن يعيد مالنا المسروق. 
نظرت في القطعة النقدية وإذ بها من فئة العشرة. 
وضعتها في جيبي وقلت لها :
- يا رب يعود مالكم إليكم. 
تركت الكيس الذي يحتوي على مالهم الذي سرقته وخرجت من البيت. 
لم أمشِ مسافة طويلة حتى كان صاحب البيت يتبعني. 
استوقفني وأعادني إلى البيت
دخلت 
كانت البسمة قد عادت إلى الوجوه التي طغت عليها الحيرة والذهول. 
أمسكت الطفلة الكيس وقالت لي :
- يا عم 
لقد نسيت مالك في هذا الكيس. 
خذه
-مددت يدي إلى جيبي وأخرجت العشرة وقلت بصوت عالٍ :
- هذا هو مالي
هذا ما جاءني عندما طلبت منكم ( من مال الله يا محسنين) .
استأذنت وانصرفت. 
نظرت حولي وإذ بالنار قد انطفأت وإبريق المتة قد بَردَ ماؤه ولفافة التبغ في يدي انطفأت بعد أن وصلت نارها إلى الفيلتر. 
وقفت متكئاً على عصاي للحظاتٍ 
سالت دمعة من عيني
مسحتها بيدي
عدت أدراجي إلى البيت. 
وقبل أن أجلس على الكرسي الخشبي الذي يحكي تاريخاً دخل رجل عجوز قائلاً :
من مال الله يا محسنين فأعطيته العشرة.
 بقلمي: سليمان سليمان

ألم....بقلم الاستاذة رشا فوزي

#بعد_منتصف_الليل
ألم(قصة قصيرة )  
    دخلت القاعة في كامل تبرجها بثوب يكشف أكثر مما يخفي، وحقيبة صغيرة تحملها براحة يدها، وقد بلغت الليلة من الأثارة ذروتها.
تسير بخطى ثابتة مخترقة الجمع بتأني مدروس، وهي تشعر بكل الأعين الشرهة المصوبة تجاها تجردها بعين الخيال من ثوبها الفاضح المثير.
جلست في مكانها المعتاد عند البار، وما إن رأها البرمان حتى قدم لها مشروبها المعتاد..
- bloody Mary!
جاءها الصوت من خلفها؛ لتلتفت وتجده منتصباً امامها بكامل فتنته وسحره،  وقد زادته أعوامه الأربعين جاذبية فوق ما يمتلك.
 - كل ليلة نفس المشروب، ألا تملين؟!  
ابتسمت مجاملة وعادت لوضعها  الأول معلنة عن عدم رغبتها في الصحبة، لكنه لم يهتم  بذلك بل جلس إلى جوارها هامسا لها :
- أرى خلف هذا التبرج طفلة صغيرة، ما الذي يدفعك للمجئ لوكر للذئاب؟.
تطلعت في وجهه تتفحصه قبل أن تجيبه بهدوء :
- الملل! .. كما أنِ ابحث عن شئ!
- و ما هو؟!
- الألم! 
 أختلجت ملامحه بينما تعلقت عيناه بعينيها برهة، تلك البراءة التي تملؤها مشوبة بحزن تذكره بشخص ما...
لم يسمح للذكرى  بالتملك منه فقط ذبحها بضحكة فاجرة قاسية ومستهزئة، ثم نهض من جانبها ليذوب وسط الزحام وبقايا ضحكته تتبعه، لتعود هي لمشروبها وحيدة .
 عندما أنهته ألقت نظرة أخيرة على القاعة  قبل أن تهم بالخروج لتجده أمامها مره أخرى!
- هل وجدت ما تبحثين عنه؟!
أومأت رأسها بالنفي.
نظر لها يختبر صدق رغبتها وقوتها؛ فوجدها ثابتة  العزم، وبدون كلمة  جذبها من يدها لخارج القاعة ليستقلا عربته، وما هي إلا دقائق حتى توقف أمام مبنى مهجور مهدم.
نظر لها بشهوة ماجنة و هو يقول:
- لنرى لأي درجة سوف تتحملين الألم! 
أجابته وهي تنظر لللاشئ أمامها:
- لي شرط، لا تبدئ قبل أعطاءك الأذن بذلك!
أومأ موافقا، ثم  خرجا من العربة متجهين إلى المبنى المهجور .
دخل أولا، وتبعته هي، وعيناها تتجولان في المكان بسكونه المخيف وكآبته المشؤمة
التي يبدو أنها لم تزعجها على الأطلاق، حتي أدخلها حجره مهدمة ضيقة ومظلمة تتصدرها  نافذة زجاجية صغيرة غبّرها  تراب الزمن، تتراقص من خلفها أضواء المدينة من بعيد باهتة محتضرة.
و بينما هو يشعل شمعا لينير المكان، كانت هي تتجه لتلك النافذة تزيل عن زجاجها التراب وتنظر لما وراءها ثم تقول بشرود :
- المنظر من هنا خلاب!
هجم عليها كعاصفة هوجاء إلا إنها باغتته بألتفافها، وقد  بخت  على وجهه رذاذ  بخاخة صغيرة مختبئة براحة يدها؛ شعر على أثرها  بوجهه  يحترق؛ فتعالى صراخه  بينما هي  أعقبتها بوخزة في عنقه  بحقنة  صغيرة تركتها معلقة بها، وأخذت تتأمله بهدوء وهو يصرخ بجنون من شدة الألم واضعا كلتا يديه على وجهه، إلا  أنه تصلب فجأة وسقط أرضا عاجزا عن الحركة.
جثت بجانبه، وأزاحت يديه المتصلبتين عن وجهه تتأمل تشوهه وتتأكد من بشاعته، ثم أقتربت من أذنه هامسة:
-أو لم يكن بيننا أتفاق؟!
ورفعت رأسها لتنظر في عينية و هي تقول:
- و لكن منذ متى وأنت تحترم أي أتفاق أو تفي بأي وعد؟
ثم نهضت من جانبه لتجلب من حقيبتها 
زجاجة صغيرة حرصت على سكب كل ما فيها من سائل على الجسد المسجى أمامها بلا حراك إلا من مقلتين زاد جحوظهما عندما بلغت رائحة السائل النفاذة إلى أنفه، بينما هي تقول بهدوء :
- وبما إنني دمرت مسبقا مصدر فخرك وغوايتك فأظنك لن تمانع! 
ثم حملت شمعة مما يُضئ المكان ووضعته بتروي بجانبها، وهي تجلس إلى جواره  ترقب الهلع يفيض من  عينيه ليغرق  ملامحه، شردت برهة لتقول من خلال شرودها بنبرة حزينة:
- لا تدّعي إنك  لم تتذكرها !
ثم عادت لواقعها بأبتسامة لا تخلو من حزن :
- من كان يصدق أن تكون نهايتك على يد ابنتك، يا أبي !
وجمت عيناه غير مصدق ثم نظر إليها لتومأ برأسها عدة مرات مؤكدة له صحة ما بلغ أذنه،  و تتابع في حزم: 
- و الآن، وداعا!
وفي لمح البصر ألقت عليه الشمعة لتلتهم النار جسده بينما يعجز هو حتى عن الصراخ.
أنتظرت حتى أنهت النار عملها، وصارت دخانا يتصاعد وتتصاعد معه أشعة الشمس  الأولى مبددة الظلام، ومنبهه إيها لبدء فجر يوم جديد. توجهت  إلى نافذة الغرفة الصغيرة لتستقبله بوجوم و هي تقول بصوت رتيب :
- حقا! المنظر من هنا خلاب ..يا أمي!
تمت
 رشا فوزي
نشرت ورقيا في سلسلة صرخة فزع 2 "ترانيم الظلام" 2018

الأربعاء، 6 مارس 2019

طار العصفور بقلم الأستاذ سليمان سليمان


((طارَ العصفور))
في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر كانون
كان كل شئ يئن من البرد حتى الحجارة.
كنا مجتمعين حول( موقدة النار)  في ذاك البيت العربي القديم
كانت عينَيَّ لا تفارقان عينيها
كنتُ أراقب كل حركة تقوم بها
أقرأ ما هو مكتوب على خديها الورديين الَّذين كان الدم يكاد يخرج منهما كلما التقت العيون.
الأحاديثُ القُرَوِيَّةُ هي الغالبة
والدها والضيوف من بعض رجال القرية القرويين كانوا يتبادلون الأحاديث وبحماس تارةً وأخرى بهدوء حسب الموقف
طبقاتُ الدخان العربي تتنقل بين الرجال
رائحة الدخان العربي هذا اختلطت مع رائحة دخان الحطب المشتعل في هذه( الموقدةِ)  المحفورة في أرض البيت تسببت في سيلان الدموع من العيون
كانت عيونهم لا تعنيني
رأيتُ الدموع تنسكب من عينيها فحزنت كثيراً وبصورة لا شعورية سألتها :
ليش عم تبكي يا لطيفة؟
لم تجبني بل ابتسمت ومسحت الدمع عن سمعته خديها.
أجابني والدها: كلنا عم نبكي من الدَّخنة يا عَمِّي.
وهنا انتبهت لحالي وخفتُ كثيراً
كنت في العاشرة من عمري حينها أو أكثر بقليل
وأعتقد أن هذا هو الذي غفر لي خطيئتي
تابع الرجال أحاديثهم
وبينما كنا جالسين وإذ بعصفورٍ يدخل البيت ويقع على الأرض
أسرعت إليه وأمسكته وكان بارداً كالثلج ولا يقوى على الحركة وهو يرتجف كقلبي المسكين
وضعته بين يَدَيَّ ورحت أتأمله تارة وتارةً أخرى أتأمل هذا الوجه الملائكي الذي تَمَلَّكَني.
بعد فترة والعصفور في حضني شعرتُ بحركته النشطة
نظرتُ إليه وحاولت الإمساك به لألاعبه وأدخل الفرحة إلى ذاك القلب الذي أسر قلبي وإذ بالعصفور يصفق بجناحيه ويطير ويخرج من باب البيت الذي كان مفتوحاً.
وبصورة لا شعورية قالت بصوتها الملائكي المخملي مبتسمة :
طار العصغور
طار العصفور
ليش طار العصفور يا حزرَك ؟
وهنا وقفت كالفارس الذي لا يهاب الوغى وقلت لها :
طار العصفور
العصفور طار
لأن كان بردان ودفي.
والله فيني طير متل هالعصفور.
التفت والدها رحمه الله وقال لي :
بَعْد بَكِّير عليك يا عَمِّي.
وما زلتُ من يومها وحتى اليوم وأنا ابن الستين أطير ولم أشعر بالتعب.
بقلمي: سليمان سليمان

الثلاثاء، 5 مارس 2019

أرواح تعدم بنزوات الغير بقلم الأستاذ والاديب ماجد علي اليوسف



حدّثني بشيءٍ من المزاح  ...
            لكن دموعه فضحت ألمه ..

 بدون مقدّمات سرد قصته ....
 بشيءٍ من السرعة ليخفي حزنه عني و يوهمني انه غير مهتم ... 
والحسرة بين كلماته تتراطم ..
كأنه يخرج الركام الذي أستوطن صدره من سنين .. 

((  لم تتزوج لغاية الآن ...
رغم توسلي إليها بأن تعيش حياتها ..
فأنا لم أكن على قدر ثقتها وحبها لي ..
انا من أصغيت لصوت العقل والمجتمع .
محطما" كل معاني الحب والمشاعر الحقيقة ..
 انا من سحق أحلامه بشيء من الكرامة  ليعيش في وهم الحياة الزوجية المستقرة المتزنه .
تاركا" خلفي أموات يعانون الحياة في زنزانة العرف والعادات وحسابات الأنساب .

بعد أكثر من خمس وثلاثين عام ..
ولا تزال ... نبضي هي .
وعالم لن أغادر أركانه ما حييت ...

بالأمس أهديتها عطر فضحكت  بشيء من الألم ولتقول لي " أي  عطر يشبه عطرك يا ...... 
 واي أنفاسٍ تشبه انفاسك اني اتنفسك صباحا" ومساء ... 
وانا من تحت أقدام كبريائه احلمها تناثرت  .
تاركا" ذلك القلب الطاهر فريسة للنظرة السلبية المجحفة للمجتمع .
المتخلف أخلاقيا" وانسانيا" بل ودينيا" 

فقط لأنها .... 💢(  لقيطة )💢
وما جوابي حين يسئلني أطفالي عن نسب أمهم  ؟؟  هذا كل همي كان !

كم كنت ساذجا" أنا ... حين طلبت منها أن تتزوج وانا من يعرف عفتها وصدق مشاعرها  وعنها قد تخليت .. فكيف لغيري  أن يفكر بها ....
فأنا وهي كنا للمجتمع ضحايا   ))
.............................................

هذا القتل بدم بارد بسكين الخوف .
و إعدام لمشاعر على شريعة المجتمع .
هذا هو الأغتيال بتخطيط العقل البشري.

أي مجتمع نحن فيه لا يفقه الأخلاق والإنسانية وحتى الدين .
أي عدل  يوصي  بالقصاص من المجني عليه ..
وأي أخلاق  تقمع و لاتنصف  مظلوم ..

ما ذنب أراوح تعدم بنزوات الغير ..

ما ذنب اللّقيطة  أن تكون ( لقيطة )  

...... ماجد علي اليوسف .....
......   2019 - 2 - 25    ....

شظايا الزّجاج....بقلم الاستاذ كمال عبد الله



أفكّر فيك...قبل قليل، ارتمت الشمس خلف مباني المدينة الرماديّة الموحشة وانتشر الصّمت...جلست إلى مكتبي باحثا عنك بين التفاصيل التي كنّا نلتقي عنها...فتحت النّافذة فاقتحمت ظلال كئيبة مكتبي و غير بعيد عنّي كان "بوتشي" الكلب يفكّر بصمت في ما يمكن أن يفعله عندما أكون على حافّة الجنون...أشعلت سيجارة ثم ملأت الكأس التي كانت أمامي بشيء من الخمرة الرديئة...تقول نصوص قديمة بأنه لا فرق بين الوداع والموت...فالموت حالة يصمت فيها كل شيء...تماما كما هذا الفراغ الذي يملؤني بهذه اللحظات التي أصبحت عقارب ساعتي الحائطية فيها مجرّد قطع من المعدن الغبي...اقترب مني "بوتشي" الكلب...وضع رأسه على فخذي ثم رفع نحوي عينان من الجمر...كان حائرا في ما يمكن أن يفعله...ليومين مَضَيَا كنت أفكّر بكتابة شيء حول الحب...كنت أفكّر بكتابة شيء من الشعر حول الرّحيل...ولم أفعل...أقفلت النافذة ثم عدت إلى مكتبي...سيجارة أخرى...كأس أخرى من الخمرة الرديئة...عندما دخلت السجن بتهمة التظاهر الغير مرخص والاضرار بملك الغير، كنت لم أتجاوز السابعة عشرة من العمر...كان شعوري بالليلة الأولى من السجن تماما مثل هذا الشعور الذي يعتريني الآن...كنت أشعر بأنّني كتلة من اللحم التي لا يربط بينها و بين الواقع شيء...وهو تماما ما أشعر به الآن...أحتاج الحزنَ...تماما كما تحتاج الزهرة ضوء الشمس...ولكنني لا أشعر بالحزن الآن بقدر ما أشعر بالرغبة في أن ينفجر شيء ما داخلي فينهي مني هذه الكتلة الحمقاء من اللحم التي هي أنا...أمسكت بالقلم بين أصابعي ثم شرعت في تحريكه على ورقة كانت أمامي...لم أكن أفكّر برسم أي شيء...فأنا لا أجيد الرسم...ولم أكن أفكّر بكتابة شيء لأنّني لن أستطيع الكتابة...
- أنتَ لم تحبني بأي يوم من الأيام...
- هل فكّرت جيدا بما تقولينه الآن....؟
- نعم...
لم تكن المقهى خالية تماما...ومع ذلك فلم أكن أسمع شيئا...كنت داخل ذاتي...ولم أكن أسمع ذلك الصوت الذي كان ينفجر داخل رأسي...أحسست بوحدة قاتلة و أنا أغادر المقهى باتجاه الجسر الحديدي...وضعت يدي على رأس "بوتشي" الكلب الذي لا يعرف مثل هذه الحقائق...أخرج لسانه وبدأ بلعق أصابع يدي في ودّ حقيقي...أبعدت يدي عن لسانه اللزج ثم عدت إلى ما كنت فيه من العبث على سطح الورقة البيضاء...دوائر زرقاء...أشياء تشبه الرسوم الطفولية لورود صغيرة....
- هل أحببتني يوما ما....؟...لكم أتمنى أن يكون جوابك صريحا حتى و إن كان موجعا....
- وهل مرّ يوم من دون أن أحبكِ...؟
عندما بلغت الجسر تذكّرت بأنّه وعندما كنت صغيرا...وعندما كنت أرتكب حماقة أعرف بأن نتيجتها سوف تكون الضرب المبرح، كنت آتي إلى الجسر الحديدي و كنت أقضي كامل اليوم بصيد الضفادع...وكانت الحكاية تنتهي دائما بحفلة يشترك فيها الجميع...أبي...أمي...أختي...أخي الأكبر...وكانوا يستمتعون بضربي...جلست فوق الجسر...تماما كما كنت أفعل و أنا صغير..." هل أحببتني يوما ما...؟"...انفجر السؤال داخل رأسي مثل حزام ناسف...هل أحببتها يوما ما...؟...لا أتذكر بأنّني أحببت غيرها...لقد كانت دائما داخل جسدي و كأنّها جزء من كياني...لست أدري إن كان هذا هو الحب...هل انتهى كلّ شيء بهذه السرعة...؟
أحسست بشيء من البرد وأنا أجلس على ألواح الجسر الحديدية و تذكرت حكاياتي القديمة...ما الذي يجعلني أتذكّر كل هذه الأشياء التي انتهت...هل هو هذا الفراغ الذي يملأ رأسي....؟
- هل أحببتَ غيري...؟
- عرفت كثيرا من النساء غيركِ...ولكنّني لم أحبّ غيرك...
- ما الذي جعلك تحبني...؟
- لم أفهم...
- ما هو هذا الشيء الذي جعلك تحبني...؟
- لا أرى الأمور هكذا...الحب بالنسبة لي هو شيء مثل الموت...فنحن نحب فقط...كما أنّنا نموت فقط...هي لحظة واحدة ثم نتحوّل بعدها من حالة اللاحب إلى حالة من الحب الذي يبدو لنا بأنّه وكأنه شيء أزلي....
- لا أفهم هذه الفلسفة...
- هي ليست فلسفة...هي شرح لحالة الحب بالنسبة لي....
- هل تعتقد بأنّنا قد نفترق يوما ما...؟
- لن يحصل هذا إلا متى طلبت مني الخروج من حياتك...
انتبهت إلى "بوتشي" الكلب الذي كان ينبح...وكان الظلام قد عمّ غرفة المكتب...أنرت الغرفة ثم عدت لأجلس إلى الورقة التي كنت أرسم عليها...
     وضعت شيئا من القهوة في فنجاني ...ثم ملأت كأسي بما بقي بالقنينة من الخمرة...وكان "بوتشي" مستاء لأنني لم أسقه من الخمرة التي كانت أمامي...سوف لن أحدثه بشيء مما يعتمل داخل الفراغ الذي يسكنني هذه اللحظات...لن أحدثه بما أشعر به...سوف لن أخبره بأنّ شيئا ما قد انفجر داخل أحشائي فمزّقها...

كمال عبد الله...تونس....

طار العصفور بقلم الأستاذ سليمان سليمان


((طارَ العصفور))
في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر كانون
كان كل شئ يئن من البرد حتى الحجارة.
كنا مجتمعين حول( موقدة النار)  في ذاك البيت العربي القديم
كانت عينَيَّ لا تفارقان عينيها
كنتُ أراقب كل حركة تقوم بها
أقرأ ما هو مكتوب على خديها الورديين الَّذين كان الدم يكاد يخرج منهما كلما التقت العيون.
الأحاديثُ القُرَوِيَّةُ هي الغالبة
والدها والضيوف من بعض رجال القرية القرويين كانوا يتبادلون الأحاديث وبحماس تارةً وأخرى بهدوء حسب الموقف
طبقاتُ الدخان العربي تتنقل بين الرجال
رائحة الدخان العربي هذا اختلطت مع رائحة دخان الحطب المشتعل في هذه( الموقدةِ)  المحفورة في أرض البيت تسببت في سيلان الدموع من العيون
كانت عيونهم لا تعنيني
رأيتُ الدموع تنسكب من عينيها فحزنت كثيراً وبصورة لا شعورية سألتها :
ليش عم تبكي يا لطيفة؟
لم تجبني بل ابتسمت ومسحت الدمع عن سمعته خديها.
أجابني والدها: كلنا عم نبكي من الدَّخنة يا عَمِّي.
وهنا انتبهت لحالي وخفتُ كثيراً
كنت في العاشرة من عمري حينها أو أكثر بقليل
وأعتقد أن هذا هو الذي غفر لي خطيئتي
تابع الرجال أحاديثهم
وبينما كنا جالسين وإذ بعصفورٍ يدخل البيت ويقع على الأرض
أسرعت إليه وأمسكته وكان بارداً كالثلج ولا يقوى على الحركة وهو يرتجف كقلبي المسكين
وضعته بين يَدَيَّ ورحت أتأمله تارة وتارةً أخرى أتأمل هذا الوجه الملائكي الذي تَمَلَّكَني.
بعد فترة والعصفور في حضني شعرتُ بحركته النشطة
نظرتُ إليه وحاولت الإمساك به لألاعبه وأدخل الفرحة إلى ذاك القلب الذي أسر قلبي وإذ بالعصفور يصفق بجناحيه ويطير ويخرج من باب البيت الذي كان مفتوحاً.
وبصورة لا شعورية قالت بصوتها الملائكي المخملي مبتسمة :
طار العصغور
طار العصفور
ليش طار العصفور يا حزرَك ؟
وهنا وقفت كالفارس الذي لا يهاب الوغى وقلت لها :
طار العصفور
العصفور طار
لأن كان بردان ودفي.
والله فيني طير متل هالعصفور.
التفت والدها رحمه الله وقال لي :
بَعْد بَكِّير عليك يا عَمِّي.
وما زلتُ من يومها وحتى اليوم وأنا ابن الستين أطير ولم أشعر بالتعب.
بقلمي: سليمان سليمان

السبت، 25 أغسطس 2018

قهوة الصّباح.....بقلم الأستاذ كمال عبد الله



تعيش المرأة العربيّة واقعا يتأرجح بين البؤس و الأوهام في مجتمعاتناالتعيسة...وعادة ما يربط الرّجل العربي...وعندما أقول الرّجل فأنا أعني أيضا النّظامين السياسي و الدّيني...بين سعادة المرأة وبين ما قد يوفّره لها سجّانها من إمكانيّات...فكأنّ المسألة مجرّد مقايضة تجارية...الرّفاه المادّي مقابل الصّمت...و نرى بأنّ أغلب عقود الزّواج في مجتمعاتنا العربية تحتوي على نقطتين هامّتين جدا...عليه الانفاق...وعليها الطّاعة...وبما أنّ مسألة الوفرة هذه غير متوفّرة لدى أكثر من ثلاثة أرباع الرّجال العرب...حتى من الخليجيين...فإنّ هذه المعادلة المستحيلة الحلّ تتحوّل إلى التّالي :أنا لا أستطيع توفير ما ترغبين به...وعليك الطّاعة...ولأنّ الطّاعة...أو الرّضوخ لسلطان الرّجل شيء يحميه القانون في أغلب الدّول العربية فإنّ هذه المعادلة العرجاء تصير قائمة غصبا عن المرأة بقوّة القانون...استيقظت على نباح "بوتشي" الكلب...وعندما ذهبت لرؤية هذه الأسباب التي تجعله ينبح كلّ ذلك النباح المزعج، وجدته يطارد قطا من القطط المشرّدة...ذهبت إلى المطبخ فأعددت لنفسي قهوة...كانت على مستوى معقول من الرّداءة...وضعت فنجان القهوة على طاولة النّوم الصّغيرة ثم اتجهت نحو الحمّام لحلق ذقني...بدا وجهي وكأنّني قد عدت للتّو من الموت...هالة قريبة من السّواد تحيط بعيني...وعلى الرّغم من أنّ كوابيسي قد أعتقتني الليلة الماضية فقد بدا وجهي مخيفا حقا...لم أذهب منذ أيّام لرؤية "44"...كنت منشغلا بعض الشّيء...قد أذهب لرؤيتها اليوم فقد قال لي "منير" بأنّ أصداء وجود "اللّبنانية" معها قد تجاوز حدود "قرية المجانين"...لم أنه فنجان قهوتي...تركت البيت باتجاه "مقهى عادل"...أرى أنّي لم أحلق وجهي جيّدا...مازلت أتحسس بعض الشعيرات على مستوى الخد الأيمن...لا يهم...قبل يوم الأضحى بأيام، تحوّلت "قرية المجانين" إلى خلية نحل...عاد شبانها و صباياها من المدن الكبيرة التي نزحوا إليها بحثا عن الشّغل...نشطت الحركة الاقتصادية...المستوى الذي لا يخضع منها للقانون خاصّة...أي السّلع المهربة...ونشطت ظاهرة "المُوسِمْ"...و "المُوسِمْ" هو الهدية التي يقدّمها الخطيب لخطيبته بمناسبة العيد...يقال بأنّه تعبير عن الحب...ولا أراه كذلك...اجتزتُ السكّة الحديد...اشتقت لرؤية جراء قطط "سحنون" ماسح الأحذية  هي تملأ الشارع مواء...أعلمني "عزالدّين و.ح.ع" بأنّها قد عادت و عندما أعلم الجماعة..."عصابة السّوء أصدقائي" "سحنون" بأنّ رئيس البلدية سوف يتّخذ ضدّه إجراءات ما، لعن رئيس الجمهورية و رئيس مجلس الشعب و رئيس البلدية...أصبحت علاقتي بـ "جميلة الشارع" محطّ شك من الجميع...سمع "فوزي" أحد الشيخين العاشقين وهو يتحدّث إلى صاحبه معربا له عن سخطه منّي معتبرا بأنّني أنا الذي صرت أمنعها من المرور بالقرب من المقهى لأنّني صرت أغار عليها...رنّ جرس هاتفي عندما كنت على مستوى مقهى "السولدي السّوفي"... 
- ألو...أهلا....صباح الورد...
- من هي "اللبنانية"..؟
- نقول صباح الخير أوّلا....
- أخبرني من هي...
- سأحدّثك عنها عندما نلتقي...
- أين أنت الآن...؟
- بالقرب من مقهى " المولدي السّوفي"...
- انتظرني هناك...
- أوك...
يبدو أنّني سوف أعيش الآن وقائع الكابوس الذي لم أعشه البارحة...استندت إلى شجرة مواجهة لمقهى "المولدي السّوفي"...سوف تدخل بحكايات لا تنتهي...وسوف يكون عليّا الصّمت...عندما تغار المرأة يختفي العقل من رأسها...مازلت أعتبر الغيرة شيئا رائعا على الرّغم ممّا سيحصل معي بعد قليل...لن أستعدّ لهذه الحرب الرومنسية...سوف أتركها تثرثر إلى أن ينفجر رأسها....
- أستاذ...هل لي بسؤال...؟
- نعم...
- هل تحبّها...؟
- من...؟
- جميلة الشارع...ست الحلوات...ست الستات...
لم أستطع الكوث واقفا طويلا فاتجهت نحو أحد الكراسي الذي كان موضوعا تحت ظل شجرة أخرى...ما إن رآني السيرفير جالسا حتى جاءني مسرعا فطلبت قهوة سريعة...كان طعمها يشبه إلى حد كبير رداءة طعم القهوة التي أعددتها بالبيت...يعتبر سكّان "قرية المجانين" أنّ حجم الحب يكون مرتبطا مباشرة بقيمة المُوسمْ...وينفق الشّباب أموالا طائلة لإرضاء أهل العروس...سألت صبيّة من الصبايا اللواتي خطبن حديثا عن موقفها لو لم يستطع خطيبها إيجاد المال اللازم لشراء أشياء "مقنعة"...لم تفكّر كثيرا...أجابتني في برود لامبال..." أنهي علاقتي به"...ولمّا سألتها عن الحب قالت لي بلهجة متهكّمة..." عن أي حب تتحدّث أستاذ...؟...أريد أن أتزوج...ما دخلي بالحب..."...بين البراغماتية و النفعية خيط فيع كالخيط الذي يوجد بين الحب و الزّواج...فلا حب من دون زواج...ولا فعل من دون منفعة مادية مباشرة...هكذا تفكّر "قرية المجانين"...
- أستاذ......."..........."...تريدك...لقد أوقفت سيارتها على الجانب الآخر من المقهى...
دفعت ثمن الثقهوة التعيسة التي شربتُ ثم اتجهت نحو الشارع المطل على " عمارة ولد مصطفى" المصوّر...وكانت هناك...نزلت من السيّارة ثم اتجهت نحوي...كانت علامات الغضب منتشرة على كل وجهها...
- ماذا هناك...؟
- من تكون هذه اللبنانية التي تذهب لرؤيتها بــ "حي القاهرة"...
- هي مومس تشتغل مع "44"...
- وما دخلك أنت بها...؟
- لا شيء...أنا كاتب و مهنتي هي البحث عن القصص وروايتها....
- أنت تتحدّث عنّي فقط...كل قصصك الأخرى خيالية و لا وجود لها في الواقع...أنا الوحيدة الحقيقية...
- وهل يزعجك أن أكتب عنها...؟
- نعم...وأتمنى أن لا تفعل..
- هذا تهديد...؟
- نعم...

كمال عبد الله...تونس...

الاثنين، 13 أغسطس 2018

حكاية حب ....بقلم الاستاذ كمال عبد الله



وضعت الورقة التي كانت بين يديها على طاولة نومها...لقد طوتها جيّدا...و بعناية شديدة...كانت متعبة بعض الشيء و لكنها لم تكن تشعر بالنّوم...لقد استعدّت لِوِحْدَتِهَا كثيرا...تتساقط أضواء الشارع الباهتة على تفاصيل وجهها فتبدو أكبر قليلا ممّا هي عليه...أحسّت بشيء من الحرّ، فخرجت من غرفتها متجهة إلى الحمّام الموجود على أقصى يسار غرفتها...لم تكن مضطربة...و لكن الحرّ الذي كان ينْفَذُ من شقوق النّوافذ كان حادّا و كان يتسلل إلى جسدها الذي كان يرشحُ عرقا فيجعلها تبدو على بعض من الكآبة بالرّغم من أنها لم تكن كذلك...انعكست صورتها على مرآة الحمّام...شعرها يميل إلى السّواد في شيء من الطول...و عيناها تأخذان ألوانا تتأرجح بين الرّمادي الدّاكن و السّواد...انهمر الماء من الحنفية العتيقة على أناملها، فتركته يتخلّلهما مصدرا صوتا مكتوما مختنقا...لم تغير بعد ملابسها...لقد قارب اللّيل على الانتصاف و لكنها لا ترغب بالنّوم...نظرت مجدّدا في وجهها المنعكس على المرآة ثم تساءلت بين نفسها و بينها إن كان مستيقظا بعد...عندما التقته على المقهى الذي كانا يلتقيان عنده، لم يكن بالسعادة التي تعرفه عليها...لقد كان قلقا...بدا لها أنه يخفي عنها شيئا ما...كانت عيناه تتفاديان الالتقاء بعينيها...و كان يشيح بوجهه عنها كلّما حاولت التحديق وراء سوادهما...ألقت بعض الماء عل وجهها ثم نظرت من جديد إلى المرآة التي كانت تعكس صورتها...لقد صبغت شعرها منذ أيام...و قد جعلت فيه خصلة كستنائية...تنحدر على الجانب الأيسر منه...لقد تذكّرته و هو يمسك بالخصلة بين أصابعه فيمررهما عليها مرّات عديدة و هو يهمس في وجهها :
- ما أجملك...  
لم تكن تقول شيئا...كانت تحتضنه بابتسامة عاشقة و تصمت...كانت فقط تصمت...تعرّفت إليه منذ عامين...كانت بالمحطة تنتظر وصول قطار الضّواحي...و كانت تحمل الكثير من الأمتعة التي اشترتها من المدينة...كان مظهرها مثيرا للضّحك و هي تحاول السّيطرة على كل تلك الحقائب التي تكاد تسقط...اقترب منها و هو يخفي ما كان باديا من ابتسامته...
- هل تسمحين لي بمساعدتك سيدتي...؟
- لا ...شكرا ..سوف أتدبّر أمري....
لم تحاول حتى النّظر إليه...إنها تتذكّر صوته...لقد كان دافئا...و تتذكّر أيضا أنه لم يبتعد عنها كثيرا...لقد شعرت بأنه يراقبها و هي على كل تلك الحيرة...أفاقت من شرودها على الماء المندلق على أناملها و قد بدأ يميل إلى البرودة قليلا...لم تقفل الحنفية...تركت أناملها تستمتع ببرودة الماء الخفيفة و عادت للنظر إلى وجهها من جديد....كانت المرآة تظهر شيئا من صدرها أيضا...لم يكن حجمه بالمبالغ فيه...لقد قال لها ذات مرة أخرى عندما كانت مستلقية إلى جانبه بأن صدرها يعجبه ...كان يكبرها بسنوات قليلة...لقد كان يستمتع بالغضب الذي كان يحتل كامل تفاصيلها عندما كان يقول لها بأنها عجوز...تتذكّر بأنه أغضبها ذات مرّة حتّى كادت تنفجر في وجهه و لكنها لم تفعل...تتذكّر أنها مدّت يدها إلى جيب قميصه فسحبت منه بطاقة هويته و ما إن تأملتها حتى انفجرت ضحكا....ما الذي ألقى به في طريقها...؟...لقد تعوّدت على حياة الوحدة منذ أن هجرت زوجها...و لم تكن تفكّر بالرّجال و لا بأي نوع من العلاقات...صوت طائر ليلي يقتحم عليها صمتها...لم يكن وسيما...كانت تقاسيمه عادية...و لكن شيئا ما كان يختفي وراء دفء صوته...شيء لا تتبينه...تذكّرته و هو يقترب منها عندما جاء قطار الضواحي...لقد أسقطت الكثير من الأكياس و هي تتجه نحو المقطورة الأولى...حاولت الإنحناء لتناول ما سقط منها  و لكنه كان أسرع بفعل ذلك...لم تقل شيئا...تركته يحمل ما سقط منها و يُحاذيها و هي تتجه نحو القطار....اختفى صوت الطائر اللّيلي في العتمة فعادت تنظر إلى وجهها في المرآة...سوف يقرأ غدا ما تركته له على الورقة...لقد تعبت و لم تعد تستطيع الصّمت...

    غادرت الحمّام و اتجهت ثانية إلى غرفة نومها محاولة ألاّ تحدث صوتا ...فكّرت بتغيير ملابسها...سوف ترتدي قميصها الكحلي الذي اشترياه معا عندما كانا يتسكعان بين بازارات المدينة...لقد كان شفّافا جدا...عندما طلب من البائعة أن تناوله إياه أحسّت بالخجل...لقد أحست و كأنه ينضو ثيابها عناه...للحظة ما أحسّت بأن البائعة قد دخلت في رأسها لتعرف ما الذي كانت تفكّر فيه...لقد أفاقت ساعتها على صوته و هو يسألها....
- هل يعجبك...؟
لقد أحسّت و كأنها سوف يغمى عليها و هي تمسك القميص الكحليّ بين يديها و تقلبه في  خجل شديد...و لم يترك لها حتى فرصة إبداء رأيها...طلب من البائع أن تضعه في علبة جميلة ثم دفع ثمنه و جرّها إلى الخارج في فرح طفل بلعبة جميلة...
دفعت باب الغرفة تريد الدّخول ...و تذكّرته و هو يقف بجانبها في القطار ممسكا بما سقط منها  الأكياس...لم تكن لحيته قد حُلقت ليوم أو يومين...كان واقفا بجانبها من دون أن يكلّمها...فكّرت بأنه ربّما قد يكون من النّوع الخجول الذي لا يقيم محادثات مع النساء...اتجهت إلى دولاب ملابسها و أخرجت قميص النوم الذي اشتراه لها...سوف تلبسه هذه الليلة...سوف تلبسه للرّجل الذي أحبّته....صورتها و هي تحاول ترتيب ما تناثر من أكياسها تنفجر داخل رأسها...تتذكّر كيف نظرت في وجهه المائل إلى السّمرة...لم يكن يبدو عليه الارتباك...أو الخجل...كانت تقاسيمه تبدو جافة أكثر مما يوحي به دفء صوته...
لقد نظرت إليه و هي تبتسم في ودّيّة بادية...
- سوف أنزل بالمحطة القادمة...شكرا لمساعدتك لي....
- سوف أنزل معك لأساعدك و قد آخذ القطار الآتي بعد قليل...
نظرت في وجهه مرّة أخرى...و لم تتكلّم...لم تقل شيئا...
ارتدت قميصها ثم ألقت بجسدها فوق السّرير...اتضحت تفاصيل جسدها من خلال القميص الشفّاف الذي كانت ترتديه...التفتت إلى طاولة النّوم أين وضعت الورقة المطوية...أمسكت بها قليلا ثم أعادتها إلى مكانها...و عادت لتفكّر فيه من جديد...تذكرته و هو يسير خلفها صامتا...لم يكن يتكلم...كانت تشعر بصدى صوت حذائه و هو ينتشر حولها...لقد أرادت أن تسأله عن اسمه و لكنها لم تفعل...لقد كانت تتصوره و هو ينظر إلى ظهرها العاري شيئا ما...و عندما وصلت إلى العمارة التي تسكنها مع صديقتها التي تعمل معها التفتت إليه و هي تشعر بأن شيئا ما قد انزاح عن كاهلها....
- أعتقد أني قد وصلت...
ناولها ما كان يحمله من أكياس...لم تكن حركته مرتبكة...كان يبدو شارد الذهن قليلا...
- هل لي أن أعرف اسمَكِ....؟
- اسمي فاتن...
- تشرفنا....تصبحين على خير....
- تصبح على خير....
غادرها إلى المحطة....و اكتشفت و هي تراه يغوص في أعماق الأضواء الباهتة بأنها لم تسأله عن اسمه...تردد صوته و هو يسألها عن اسمها في داخلها...و تذكّرت كم شعرت بالغضب من نفسها و هي تراه يمضي من دون أن تسأله...عاد ذهنها إلى ورقتها الملقاة بجانبها...لم تكتب سوى كلمات قليلة...ربما كانت كل حياتها مُخْتَزَلَةً في ما كتبته...إنها لا تشعر بالنّوم...و لكنها تشعر به و هو ينتفض داخلها....نهضت من مكانها ثم اتجهت إلى النافذة المطلّة على الشارع ...فتحت النافذة...مازالت شجرة الأكاسيا واقفة تنشر ظلّها على الشارع...و غير بعيد عن شجرة الأكاسيا ، التصق عاشقان ببعضهما...ابتسمت ثم ألقت بجسدها من جديد فوق السرير...فمازالت لا تشعر بالنّوم.....

عقارب الثّواني تتحرّك متكاسلة...ثقيلة...على ميناء المنبّه الذي كان إلى جانبها على طاولة نومها...و كانت دقّاته تخترق سمعها الذي كان يلاحق ظلال الشارع المرتطمة بالستائر التي تحجب غرفة نومها عن ضوء القمر الآتي من العيد...لم تفكّر لحظة بأنها سوف تلتقيه مرّة أخرى...لقد نسيت حتى تفاصيل اللقاء الذي جمعهما بقطار الضّواحي...عندما ذهبت في اليوم الموالي إلى عملها ، و عندما وقفت بالمحطة تنتظر قطار الضّواحي ، أحست و كأن عينيها تبحثان عنه...لقد كانت تلتفت بكل الإتجاهات...أغمضت عينيها قليلا و هي تتذكر كيف كانت قلقة على ما تراكم فوق وجهها من المساحيق المرطّبة...إنها لا تفعل ذلك عادة...أو ربّما فعلت ذلك من دون أن تتعمّد فعله...عندما اقترب القطار الذي كانت تستقلّه عادة ، أحسّت بالتوتر ...لقد كانت تتمنى أن يتأخر و لو قليلا...و لكن القطار كان على موعده...قميصها الكحليّ يلتصق بجسدها الذي بدأ يتعرق بفعل الحرارة التي كانت تنتشر في أرجاء جسدها...أبعدته قليلا عن جسدها الرّطب ثم التفتت إلى النّاحية الأخرى...لم تكن ترغب بأن تشعر صديقتها بالغرفة الأخرى بهذا القلق الجميل الذي ينهشها...لم تأخذ القطار الذي توقف بالقرب منها...فالت لصديقتها التي كانت تقف غير بعيد عنها بأنها قد نسيت شيئا ما بالمنزل و أنها سوف تلتحق بها...هل تعمّدت أن تتأخّر لعلّها تراه...هل ارتدت فستانها المخملي حتى يراها به...؟...مدّت يدها في كسل و تناولت المنبّه الذي لم تتوقف عقاربه الغبية عن الدّوران...لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل و لكنها مازالت لا تشعر بالنّوم...مازالت تشعر و كأن الليل لن ينتهي هذا المساء...نهضت من على السّرير ، وهي تمسك بالمنبّه بين يديها ثم  اتجهت مرّة أخرى إلى الشبّاك...اتّكأت على الجدار المحاذي للنّافذة ثم ألقت ببصرها على الأشجار المنتصبة على جانبي الطّريق...هل كان وسيما...؟..إنها لا تتذكر منه غير صوته الدّافيء...و لم تر من وجهه شيئا يُذكر...بعض التفاصيل التي كانت تتراقص تحت اضواء الشارع الباهتة...و... وقع خطوات مكتومة عندما غادرها أما العمارة التي كانت تسكن شقة منها مع صديقتها...ما الذي يجعله حاضرا فيها كل هذا الحضور...؟...عاودت النّظر في المنبّه الذي كان بين أصابعها ثم ألصقته بخذها المتورّد من فعل الحرارة و عادت تنظر إلى الشارع مرّة أخرى...تهاطلت الصّور على رأسها و هي تنظر إلى الأشجار المنتصبة على جانبي الشارع...تذكّرت أنها قد استقلّت القطار الثاني عندما دخل المحطّة فلم تكن تستطيع أن تتأخر أكثر من ذلك...كانت تشعر بشيء من التّوتّر لأنها لم تره...لقد كانت تتمنى لو كان هناك...كانت تتمنى أن تراه فقط...فلم تكن تريد الحديث إليه...كانت تريد أن تراه فقط...لم تكن تشعر بالقطار و هو يتوقف بكل محطة...فينزل من ينزل من الرّكّاب ...و يصعد من يصعد...كانت عيناها تصطدم بكشل الوجوه التي تعترضها...و لم يكن هناك...لم تتذكر أنها قد رأته من قبل...اخترقت نسمة هادئة شعرها المتناثر فوق كتفيها فأعادت النّظر إلى العقارب التي كانت تدور في بلاهة...
- صباح الخير...
انتفضت في مكانها و هي تستمع لصوته يخترق كتفيها...إنه هو..إنه صوته...و لكنها لم تره داخل المقطورة التي كانت تستقلّها...أين كان يجلس...؟...هل صعد من المحطّة التي توقف عندها القطار قبل قليل...؟
- صباح الخير...
- هل أزعجتكِ...؟
- لا ...لم تزعجني...لقد...فاجأتني ...
أمسكت بظهر الكرسي الذي كانت تقف بجانبه...لقد أرادت أن تلتفت...كانت تريد أن ترى الوجه الذي يختفي خلف الصّوت الدّافئ...و لكنها لم تقدر...لقد أحسّت بأن أعصابها قد أصيبت بشلل تام جعلها عاجزة عن الحركة...اختفت أصوات عقرب المنبّه و اختفت ظلال الأشجار المتناثرة على جانبي الطّريق الممتدّ في صمت حتى يختفي داخل شوارع أخرى لا تراها...كان واقفا خلفها...إنها تشعر بجسده يقترب منها...إنها تشعر بأنفاسه تنتشر على رقبتها...
- هل ستذهب إلى العمل...؟
- نعم...لقد تعطّلت سيارتي منذ أيام...و أنا مظطر لأخذ القطار...
- هل تعمل بالمدينة...؟
- نعم أعمل بشركة بالمدينة....و أنت...؟
عادت إلى فراشها مرّة أخرى...ارتمت فوق السّرير ثم وضعت المنبه فوق طاولة النّوم البنيّة و في لحظة ما سقط بصرها على الورقة البيضاء الموضوعة بعناية قرب المنبّه...أمسكت بها بين أناملها المظطربة شيئا ما ثم فَرَدَتْهَا و أخذت تتأملها...هل أصلح سيّارته...لقد قال لها بأن الأمر لن يستغرق الكثير من الوقت...ابتسمت و هي تتذكر صديقتها و هي تنظر في وجهها و في ملامحها التي كانت أكثر هدوءً...
- هل أنت عاشقة...؟
لم تقل شيئا...تذكّرت أنها نظرت في وجه صديقتها بشيء من الفرحة المكتومة ...و لم تقل شيئا...طَوَتْ ورقتها بعناية شديدة ثم وضعتها قرب المنبّه و استلقت على ظهرها مثبّتة بصرها على الفانوس الذي كانت ظلاله تتراقص على السقف...و تركت خيالها يرحل خلف دقّات قلبها التي كانت تنتفض داخل صدرها...أحسّت بأن النوم يطاردها...فاستسلمت للخيالات التي كانت تتراقص فوق أجفانها..

كمال عبد الله...تونس....

حي الريحان....بقلم الأستاذ كمال عبد الله


للّيل مذاق الأشياء الممنوعة هذا المساء...منذ ثوان عبرت الجسر إلى الجهة الغربية من مدينة العشوائيات التي تغرق في الظّلام ما أن تختفي ضفائر الشمس خلف علب السّردين و الصّفيح التي تسكنها كائنات تكاد تكون لا بشرية من فعل الفقر...عندما أحتاج إلى لقاء الحقيقة التي أعشقها، أتسلّل من مدينة الإسمنت المسلّح و آتي سرّا إلى حيث تكون الأشياء على حقيقتها...هنا...في مدينة علب السّردين المتراكمة كأكداس النفايات، لا وجود لأي قانون...وقد قال لي أحد الأصدقاء بأنّ البوليس لا يأتي إلى هنا إلا نادرا...ونادرا تعني أنّه لا يأتي إلا عند حدوث جريمة لا يستطيع التغاضي عنها...هكذا تسير الأمور هنا...لخذا الجزء من المدينة قوانينه التي لا تعترف بقانون  الجزء الآخر منها...وللحياة مذاق مختلف تماما...اتجهت نحو البار الغير قانوني...وهو ليس بارا أو حانة بالمعاني المتداولة..هومنزل أعدّه صاحبه ليبيع به الخمرة سرا لأنه لا يمتلك رخصة قانونية تسمح له بمزاولة هذا النشاط...وقد تعوّد صاحبه على رشوة عناصرالشرطة حتى تتغاضى عنه ، وهو ما لا تفعله دائما...فترى " الحاج سالم" متأرجحا دائما بين السّجن و بين بيع الخمرة خلسة...قبل وصولي إلى بار " الحاج سالم" رأيت " سمير" وهو أحد الشخصيات الأمنيّة الهامّة في مدينة الاسمنت المسلّح وقد أوقف سيارته الرّباعية الدّفع تحت شجرة المشمش التي توجد قرب منزل " منيرة جاكلين" ثمّ رأيته وقد أسرع نحو بيت "منيرة جاكلين" خوفا من أن يراه أحد...كان منظره مثيرا للسخرية وهو يسرع مثل الكلب الخائف نحو المنزل وكأنّه يأتيه لأول مرّة...لقد كان كل سكان المدينة المتعفنة يعرفه...و تعرف كل الناس بأنّه يدفع لــ "منيرة جاكلين " ما لن تحصل عليه حتى ولو كانت سفيرة في نيويورك...سيكون من الأمانة القول بأنّها كانت ترضي كل أمراضه الشاذة...كانت تضربه...تلعنه...تسبه...وكان يجد لذة في ما كانت تفعله معه...ولم تكن تخفي هذا...كانت تتحدّث بما تفعله معه لتغيض مومسات الحي...
- مساء الخير أستاذ....
- مساء الخير...."الحاج سالم" موجود...؟
- نعم إنه هنا...ادخل...
كم أشعر بالراحة في هذا المكان الحقير...غرفة قذرة...أربعة أمتار على أربعة...أريكة جلديّة لن يستطيع حتى خبراء الأشياء القديمة تحديد عمرها...بعض الكراسي...مائدة ألقيت فوقها بعض قوارير البيرة الفارغة و بعض زجاجات الخمر...و أشباح توحي بأنها أشياء بشرية...ثم لا شيء باستثناء رائحة الحشيش المميّزة...
- ماذا ستشرب الليلة أستاذ...؟
- أيّ شيء...
- هل تعرف شخصا نافذا في أجهزة الشرطة...؟
- نعم...ما الأمر..؟
- لقد أوقف البوليس اليوم ابنة أخي...أقسم لك بأنّها لم تفعل شيئا...
- دعك من هذا...كم عمرها...؟
- سبعة عشر عاما...
- وأين أوقفها البوليس...؟
- أمام تمثال الزّعيم....
- ألم تجد مكانا آخرتقف فيه غير هذا المكان...؟...سوف أرى ما يمكنني فعله غدا...ما اسمها...؟
- بلقيس...
- سألتك عن اسم ابنة أخيك لا عن اسم ملكة سبأ....
- آه...اسمها " نجوى"...ولكنّنا نسمّيها "بلقيس" كذلك.....
- اتفقنا...جئني بزجاجة "كوديا"....
     هكذا تسيرالأمور في هذه العلبة الكبيرة المتعفنة...بين أقسام الشرطة و الحياة الليلية الغنية بالمفاجآت...أنتبهت إلى الجسم الملقى قربي...كان الضوء خافتا فلم أتبين سوى كتلة تتحرك في صمت و شرارة نار تخبو لتظهر من جديد...ملأت كأسا كبيرة من زجاجة الــ " كوديا" ...الكوديا هي خمرة تونسية الصّنع...ثم عدت لأنظر إلى كتله اللحم الملقاة بجانبي من جديد...
- كيف حالك أستاذ...؟
- بخير...هل أنت بخير...؟
- نعم...يبدو أن " الحاج " يغشنا...لقد انتقلت إلى العالم الآخر من النَّفَسِ الأول....
- ستستطيع العودة إلى بيتك...؟
- لست أدري....
إنّه الجواب الذي كنت أنتظره منه...يستحيل عليك أن تعرف في ما إذا كنت ستستطيع العودة إلى بيتك عندما تدخل حانة " الحاج"...شيء سحري يختلط بالخمرة أو بالبيرة أو بالحشيش ويخرجك من التاريخ...ينتهي الماضي و المستقبل و يختلط الحاضر بدخان " حشيش القنّب"...مع ما تتعاطاه من الخمرة المهربة...مع أغاني بعض المسطولين وفي ثوان تجد نفسك في متاهة لذيذة رائعة...
- هل تعرف شخصا يريد أن يشتري ذهبا مهربا من إيطاليا....؟
- تبيع الذهب ؟
- لا....مجرّد خدمة أريد أن اقدمها إلى صديقتي...هي التي طلبت مني ذلك...
- ومن هي صديقتك...؟
- دعك منها...إذا كنت تعرف شخصا يرغب بهذا أعلمني أو أعلم " الحاج"
انتبهت إلى كتلة اللحم المرميّة بالقرب منّي وهي تزحف نحوي...ويبدو أن حديثي مع "ألباتشينو" قد أثاره...
- إنها أخت زوجته...صديقته هي أخت زوجته...وهي صديقته/صديقته...
أفرغت آخر كأس من زجاجة الـ "كوديا" في كأسي ثم ألقيت به جوفي....كان طعمه مثل الكبريت...أخذت حبة زيتون من الصّحن الذي جاء به "الحاج"...كانت مالحة جدا...ثمّ طلبت زجاجة أخرى...لا شيء حقيقي يدعوني إلى المجيء إلى هنا...هو فقط الفراغ و الرغبة في الخروج من عالم النفاق الذي أعيشه كل يوم في مدينة الاسمنت المسلح....
- من سمىّ هذا الحيّ بحيّ الرّيحان...؟
- لا أدري...ولن تكون سوى البلدية هي التي فعلت ذلك....
- أعتقد ذلك أيضا...
بدأت أشعربدوار شديد...لاشك بأن سببه هوهذه الــ" كوديا" المغشوشة التي أشربها...ومع هذا الشعور الفضيع بالوجع الذي بدأ ينتشرداخل رأسي، كنت أشعر بشيء كالخدر الذي أحسسته قبل أن يغمى عليّا بالمستشفى لما ذهبت هناك لانتزاع كليتي...كان شعورا جميلا يتأرجح بين اليقظة و الرغبة في الإغفاء...
- هل تريد سيجارة أستاذ...؟
- لا... شكرا....لا أحب تدخين الحشيش...
- كما تشاء أستاذ...كنت فقط أريد أن أعبر لك عن الشرف الذي يحصل لي لو شاركتني تدخين هذا الصنف الرائع......
- شكرا لك...
نهضت من مكاني ثم اتجهت صوب " الحوش"...لقد أحسست ببعض الانتعاش عندما لفح وجهي نسيم الليلة الرائع...غدا هو يوم الأحد...سوف لن أستيقظ من النوم إلا بعد العاشرة...هذا لو تركتني ابنتي نائما طبعا...
- ما الذي يجري يا "حاج"...؟
- لست أدري...لقد سمعت صراخا يأتي من منزل "جاكلين"...
- هل تكون الشرطة ...؟
- لا...كيف تكون الشرطة و سمير الشرطي معها....
- تريد ان نذهب لاستطلاع الأمر...؟
- لا ...لا أريد ذلك...لنعد إلى الداخل.....يكفيني من المشاكل ما أنا فيه...
- لنعد إلى الداخل....

كمال عبد الله...تونس....

الاثنين، 6 أغسطس 2018

لوحة سرياليّة.....بقلم الاستاذ كمال عبد اللله


تقف امرأة مغرية جدّا أمام إحدى الواجهات التي تعرض ألوانا من الملابس الدّاخلية النّسائية...تخرج هاتفها الجوّال فتكتب رسالة قصيرة ثم تعود إلى فنجان قهوتها السّادة...أصبحت تجد لذّة في خيانة زوجها مع بائع الأحذية...شركة تبحث عن امرأة تجيد اللّغة الفرنسية وعليها أن تكون قد تجاوزت الأربعين من العمر...في مكان ما من السّوق المركزيّة انتشر خبر حول رجل ألقى بنفسه من الطابق الرّابع...يقول الخبر بأنّه قد تمّ فصله عن عمله ويقول بأنّه استنفذ كل المسالك الممكنة للرجوع إلى شغله...وقفت عارية أمام صديقها الرّسّام...أخبرها بأنّه يفكّر بإنجاز لوحة يرسم عليها جسدها لأنّه يجدها جميلة جدا...وافقت على شرط أن يسلّمها ما يعادل مائة دولار عن كلّ جلسة...عندما كانت تستلقي تحت جسده كانت تطلب منه أن يسبّها...يشعرها ذلك بلذّة بدائية جدا...وضعت دائرة زرقاء حول عنوان الشّركة التي ترغب بانتداب امرأة تجيد اللغة الفرنسية...غيّرت صورتها على موقعها بالــ " فيس بوك " فتلقّت عشرات الرّسائل التي تتغزّل فيها...اتجهت المرأة التي كانت تقف أمام إحدى الواجهات نحو مقهى " لا روزا "....تجمّع عشرات من الفضوليين أمام إحدى العمارات...قال أحد الذين حضروا لحظة ارتطام العامل المحبط بالأرض بأنّه لم يمت...قالت طفلة كانت تمرّ لحظتها من هناك بأنّ رأس العامل المذكور قد اصطدم بالرّصيف ثم ارتفع قليلا ليسقط من جديد على إسفلت الشارع...إضافة إلى رسائل الغزل التي تلقّتها عندما غيّرت صورتها، تلقّت كثيرا من الرسائل الجنسية...أرسلت إلى بائع الأحذية صورة لها وهي تستلقي عارية على أرضيّة غرفة نومها...سلّمها صديقها الرسّام ما يعادل مائة دولار ثم استدعاها على فنجان من القهوة بمقهى " لا روزا "...جذب بائع الأحذية نفسا طويلا من سيجارته الأمريكيّة ثم سألها إن كانت تفكّر بالطّلاق من زوجها...تقع حانة " التيجاني" على بعد أمتار قليلة من مقهى " لا روزا "...اشترى جريدة من أحد الباعة المتجوّلين...دخل العامل الذي ألقى بنفسه من الطّابق الرّابع في غيبوبة قال الأطباء بأنها قد تدوم طويلا...جلست إلى طاولة مطلّة على حانة " التيجاني"...تمنّت لو كانت تستطيع أن تكون هناك...
- متى سوف تنهي اللّوحة...؟
- قد أحتاج إلى أكثر من أسبوع....
أعلمت بائع الأحذية بأنّها لن تطلّق زوجها و بأنّها تعيش حالة نفسية رائعة وهي تخونه...أخرجت سيجارة من العلبة التي كانت داخل حقيبة يدها ثم عادت إلى الإعلان الذي يبحث عن سيدة تجيد الفرنسية...قرأت على شاشة هاتفها الجوّال..." أراك الليلة..."...أعجبتها حمالات صدر تركيّة لا تخفي تقريبا شيئا من صدرها...قرأ بعض العناوين على الجريدة...أشعل سيجارة ثم اتجه نحو متجره...

كمال عبد الله...تونس....

ناطرين بكرا تا يجي ... بقلم جميلة نيال

ناطرين بكرا تا يجي ناطرين بكرا تا يجي يطوي بحنانه المسأله و يا ريت بشويِّة أمل معهم كمان بنفسجه يمكن نغني بليلنا و يمكن ن...